في إدلب ... قبر روماني لتفادي براميل الموت

حبال غسيل على مد النظر تضفي بألوانها الزاهية طابعاً غريباً على أحجار أثرية

كانت في يوم من الايام تجذب السياح من مختلف أنحاء العالم. أطفال يركضون بين المغارات الأثرية يلعبون ويضحكون رغم علامات البؤس الواضحة عليهم فهم حفاة وشبه عراة. امرأة كبيرة في السن تطبخ في العراء في وعاء يكاد ينافس تجاعيد وجهها في الهرم والتعب.
سرجيلا تلك المدينة الأثرية في جبل الزاوية إلى الجنوب الغربي من مدينة إدلب والتي شهدت في العهود الرومانية والبيزنطية حروباً وزلازل، تتحول اليوم مغاراتها الأثرية ومقابرها الرومانية إلى مأوى للسوريين النازحين من قرى ريف ادلب بعد أن تعرضت منازلهم للدمار جراء القصف، إذ إن معظمهم من بلده كفرومة القريبة من سرجيلا الأثرية.


حجارة هذه المنطقة الأثرية التي صمدت بوجه أشرس المعارك على مر التاريخ كانت سبباً لشعور «أم محمد» بالاطمئنان بعد نزوحها هي وأحفادها السبعة إلى إحدى هذه المغارات، فهي على ثقة أن القصف لن يطاولها هي وأحفادها، وبخاصة أن البراميل المتفجرة كانت سبباً في خسارتها شابين من أبنائها لتحمل على عاتقها أمانة تربية وحماية أطفالهم.
برحابة صدر دعتنا «أم محمد» لدخول مغارتها «المتواضعة» على حد وصفها لها حيث «وضعت ستائر تفصل من خلالها غرفة عن أخرى، وقامت بتثبيت رفوف معدنية على الحائط الأثري لحمل أغراض المطبخ والطعام»، فالمنزل الحجري «أثري» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى فلا كهرباء ولا ماء حتى نور الشمس لا يدخل هذا المنزل كل شيء بدائي فيه، ويعتمدون على الحطب لإضاءه المغارة وللطبخ أيضاً. تظهر من بين أغراض المطبخ صورتان معلقتان على الحائط لشخصين مسلحين هما من فقدت «أم محمد» في هذه الحرب الدائرة في بلدها منذ أكثر من ثلاثة أعوام، تفاصيل كثيرة ذكرتها عنهما خلال حديثها الى «الحياة» من دون أن تذرف دمعة واحدة لأنها على ثقة أن «الجنة» بانتظارهما.
«مساعدات كثيرة سمعنا عنها، لكننا لم نحصل على شيء لا أعرف ما السبب؟» سؤال طرحته «أم محمد» وكررته أكثر من مرة مؤكدة أنها «تحملت الحياة الصعبة هنا، وتأقلمت مع وجود الأفاعي والعقارب ولكن هل من المعقول أن نموت من الجوع في نهاية الأمر» وأضافت لـ «الحياة»: «لا أنكر قيام أهل الخير بإعطائنا الخبز، لكننا منهكون نحن في حاجة ماسة الى المساعدة وبخاصة أن الأمراض بدأت تصيب أحفادي لقلة الماء وسوء التغذية».
الغريب أن تتداخل أصوات القصف على البلدة المجاورة مع أصوات الحيوانات، حيث تضم هذه المنطقة التي تبدو في بداية الأمر شبه مهجورة حظائر للأغنام والدجاج وحتى البط والتي قام الأهالي باصطحابها معهم عندما هربوا من قراهم، «أحمد» هو أحد الفارين من القصف والذي وجد في أحدى المغارات الأثرية مكاناً مناسباً لتربية الدجاج الذي استطاع إنقاذه من القصف وبخاصة بعدما خسر منزله وأرضه الزراعية. وعن أحواله هنا يقول: «لا أشعر بالرضا أبداً ولا الامتنان لما حصل معي، عامان مرا على وجودي هنا في هذا القبر الأثري المليء بالحشرات». وكغيره من سكان هذه المنطقة اعتمد «أحمد» على القماش المهترئ للفصل بين غرفة وأخرى، ليعيش في أمان من البراميل المتفجرة والقصف الكيماوي الذي تتعرض له المنطقة، لكنه وكما قال: «لا يعني أننا نشعر بالسعادة فنحن ما زلنا على قيد الحياة لكثرة الموت وازدحام السماء بالأموات». تحت سقف مغارة أثرية، اجتمع عدد من الطلاب في صف مدرسي بسيط وجد فيه الأهالي حلاً ولو كان بسيطاً كي لا يحرم أطفالهم من التعليم، فالمنطقة التي تضم اليوم ما بين ١٣٠ إلى ١٣٥ عائلة قام أحد المتطوعين فيها بتشكيل هذا الصف لتعليم أطفال هذه العائلات.
ويمكن اعتبار التعليم النشاط الوحيد الذي تشهده الآثار، فغالبية الرجال القاطنين هنا عاطلون من العمل ومنهم «سعيد» الذي كان يعمل في لبنان ثم اختار العودة إلى قريته للقتال إلى جانب قوات الجيش الحر، لينتهي به المطاف «عاطلاً من العمل» على حد قوله، والسبب كما أوضح: «لعدم وجود السلاح الكافي لقوات الجيش الحر والجبهات المقاتلة وبخاصة أن من لا يقاتل لا يملك عملاً آخر يقوم به».

 

هديل عرجة - جريدة الحياة